أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
47
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وتلك الجلسات الكريمة التي لا ينقصها إلّا حرمان الأب من أن يتوسّط أبناءه ويشاركهم أحاديثهم وآمالهم وآلامهم بشكل مباشر ، وتلك الثقة المتبادلة التي تجعل كلّ واحد من الأحبّة مندمجاً مع سائر إخوته بكلّ قلبه وروحه . ولئن كانت أخوّة صالحة كالأخوّة بين صاحبي المعالم والمدارك رضوان الله عليهما لا تزال حتّى الآن وبعد مئات السنين ذات عطاء روحي مستمرّ لا ينضب ، فإنّي قويّ الأمل في العطاء الكبير الذي سوف يحقّقه الإخاء الكبير الذي يوجد بين الأخوة الأحبّة قلباً وروحاً . والواقع أنّه بقدر وضوح الرواية عندي من ناحية الجانب النفسي والروحي والعاطفي لكم ولإخوتكم يوجد هناك عدم توفّر معلومات من ناحية وضعكم الخارجي وما يقدّر له وما يقترح بشأنه ، ولعلّ أهمّ سبب في عدم وضوح الوضع الخارجي في ذهننا عدم تلقّي شيء تفصيلي من قبلكم لأنّ ما تكتبه أنت بحكم عظيم ثقتي بك واعتقادي بما يتّصف به من فهم واستيعاب ودرجة عالية من حسن التقدير والإخلاص سوف يكون له - أي لما تكتبه - القدرة على إعطائنا التصوّر الواضح . ورغم أنّ إخوانكم يكتبون إليكم وجملة من كتبهم بأمرٍ منّي ، ورغم انتظاري لتفضّلكم بالجواب أجد أنّهم لا يتلقّون شيئاً بهذا الصدد ، فرأيت أن أكتب لكم مباشرة عسى أن يكون حظّ أبيكم منكم أحسن من حظّ إخوتكم . وإنّي إلى حين أتسلّم جوابكم التفصيلي الذي تتوقّف عليه جملة من القضايا المعلّقة التي منها مثلًا تعيين البديل لأبي ياسر « 1 » إذا صمّم على الرجوع إلى بلده ، حيث إنّ أفضل شخص يمكن أن يذكر بهذا الصدد هو أبو محمّد حفظه الله تعالى إيماناً وثقةً وإخلاصاً ، ولكنّ الاهتمام الأكبر بوجوده في الحوزة وما أنيطت بهذا الوجود من آمال كان هو السبب في عدم اتّخاذ هذه المبادرة . فالصورة الواضحة عن وضعكم الخارجي في الحوزة ووضع سائر الأحبّة لها دخل كبير في اتّخاذ جملة من المواقف . أقول إلى حين تسلّم جوابكم التفصيلي والذي أحبّ أن يكون سريعاً حسب الظروف أرجو أن تبلّغوا الأحبّة سلام أب لا ينساهم لحظة وحفظكم الله تعالى ذخراً للدين وسنداً لأبيكم المشتاق إليكم وعضداً أميناً وناصحاً مسدّداً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » « 2 » . وبعد فترةٍ من ذلك ، وبينما كان الشيخ محمّد جعفر شمس الدين في ساحة دار السيّد الصدر ( رحمة الله ) قريب شروق الشمس ، قام ) بتكليفه بحمل رسالة شفهيّة إلى الشيخ كوراني في لبنان ، وقد تكوّنت الرسالة من فقرتين طوليّتين : الأولى : أن تقول له : إنّ العمل الذي قمتَ به خطيرٌ ، ولا يصحُّ ترك المؤمنين من دون رعاية ، وإنّ هذا الأمر سينعكس على الجهة ( أي المرجعيّة ) ، وحاول على لساني أن تنصحه وتقنعه بالعودة إلى الكويت ، لأنّ محلّه هناك . فإن اقتنع بذلك ورجع عن رأيه كان به وليعتبر أنّه لم يحصل شيء ، وإلّا فعليكَ تبليغه رسالة أخرى : الثانية : أنّك تركتَ عملك الديني وسافرتَ إلى لبنان لتصبح ( صدّام لبنان ) ، وإذا ارتأيتَ البقاء في لبنان ، فمن هذه اللحظة اعتبر أنّه لا علاقة لك بالجهة ولستَ وكيلًا عنها . وفضّل السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يتمّ تبليغ الرسالة بحضور الشيخ محمّد مهدي شمس الدين ( رحمة الله ) ليكون شاهداً على الموضوع .
--> ( 1 ) يقصد الشيخ علي كوراني ( 2 ) انظر الوثيقة رقم ( 209 ) .